محمد متولي الشعراوي

1697

تفسير الشعراوى

الريح فإنها تنقل هذا البرد من مكان إلى مكان آخر ، فتتسع دائرة الضرر به . وماذا تفعل الريح التي فيها شدة برد ؟ إنها تفعل الكوارث ، ويقول عنها الحق : « أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ » وساعة نسمع كلمة « حرث » فنحن نعرف أنه الزرع ، وقد سماه اللّه حرثا ، ليعرف الإنسان إنه إن لم يحرث فلن يحصد ، يقول الحق : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) ( سورة الواقعة ) كأن الريح العارمة تفسد الحرث ، وهو العملية اللازمة للإنبات ؛ فالحرث إثارة للأرض ، أي جعل الأرض هشة لتنمو فيها الجذور البسيطة ، وتقوى على اختراقها ، وأخذ الغذاء منها ، وهذه الجذور تستطيع - أيضا - من خلال هشاشة الأرض المحروثة أن تأخذ الهواء اللازم للإنبات . إن الحق سبحانه يريد أن يضرب لنا المثل وهو عن جماعة غير مؤمنين أنفقوا أموالهم في الخير ، لكن ذلك لا ينفعهم ولا جدوى منه . مصداقا لقوله تعالى : « كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » وهكذا يكون مصير الإنفاق على نية غير مؤمنة ، كهيئة الحرث الذي هبت عليه ريح فيها صوت شديد مصحوب ببرد ، فال « صر » فيه الشدة والبرودة والعنف ، وحاتم الطائي كريم العرب يقول لعبده : أوقد ؛ فإن الليل ليل قر * والريح يا غلام ريح صر علّ يرى نارك من يمر * إن جلبت ضيفا فأنت حر إن هذا الرجل الكريم يطلق سراح العبد إذا ما هدى ضيفا إلى منزل حاتم الطائي . « والليل القر » : هو الليل الشديد البرودة . و « الريح الصر » : هي